ابن كثير
202
البداية والنهاية
فصل قال ابن إسحاق : فلما رجع الأنصار الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة الثانية إلى المدينة أظهروا الاسلام بها . وفي قومهم بقايا من شيوخ لهم على دينهم من الشرك منهم ، عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة ، وكان ابنه معاذ بن عمرو ممن شهد العقبة [ وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بها ] ، وكان عمرو بن الجموح من سادات بني سلمة وأشرافهم ، وكان قد اتخذ صنما من خشب في داره يقال له مناة ( 1 ) كما كانت الاشراف يصنعون ، تتخذه إلها يعظمه ويظهره ، فلما أسلم فتيان بني سلمة ، ابنه معاذ ، ومعاذ بن جبل كانوا يدلجون بالليل على صنم عمرو ذلك ، فيحملونه فيطرحونه في بعض حفر بني سلمة وفيها عذر الناس منكسا على رأسه ، فإذا أصبح عمرو قال : ويلكم من عدا على إلهنا هذه الليلة ؟ ثم يغدو يلتمسه حتى إذا وجده غسله وطيبه وطهره ثم قال : أما والله لو أعلم من فعل بك هذا لأخزينه . فإذا أمسى ونام عمرو عدوا عليه ، ففعلوا مثل ذلك ، فيغدو فيجده في مثل ما كان فيه من الأذى ، فيغسله ويطيبه ويطهره ، ثم يعدون عليه إذا أمسى فيفعلون به مثل ذلك ، فلما أكثروا عليه ، استخرجه من حيث ألقوه يوما ، فغسله وطهره وطيبه . ثم جاء بسيفه فعلقه عليه ، ثم قال له : إني والله ما أعلم من يصنع بك ما أرى ، فإن كان فيك خير فامتنع ، هذا السيف معك . فلما أمسى ونام عمرو عدوا عليه ، فأخذوا السيف من عنقه ، ثم أخذوا كلبا ميتا فقرنوه به بحبل ، ثم ألقوه في بئر من آبار بني سلمة ، فيها عذر من عذر الناس وغدا عمرو بن الجموح فلم يجده في مكانه الذي كان به ، فخرج يتبعه حتى إذا وجده في تلك البئر منكسا مقرونا بكلب ميت ، فلما رآه أبصر شأنه وكلمه من أسلم من [ رجال ] قومه فأسلم برحمة الله ، وحسن إسلامه ، فقال حين أسلم ، وعرف من الله ما عرف ، وهو يذكر صنمه ذلك وما أبصر من أمره ويشكر الله الذي أنقذه مما كان فيه من العمى والضلالة ويقول : والله لو كنت إلها لم تكن * أنت وكلب وسط بئر في قرن أف لملقاك إلها مستدن * الآن فتشناك عن سوء الغبن ( 2 ) الحمد لله العلي ذي المنن * الواهب الرزاق ديان الدين ( 3 ) هو الذي أنقذني من قبل أن * أكون في ظلمة قبر مرتهن
--> ( 1 ) مناة : مأخوذ من قولك : منيت الدم وغيره ، إذا صببته ، لان الدماء كانت تمنى عنده تقربا إليه ، ومنه سميت الأصنام الدمى . ( 2 ) مستدن : مستدن ، من السدانة ، وهي خدمة البيت وتعظيمه ، قاله السهيلي ، وقال أبو ذر في شرح السيرة : المستدن : الذليل . ( 3 ) قال السهيلي : الدين : في قوله ديان الدين : جمع دينة وهي العادة . ويجوز أن يكون أراد : الأديان أي هو ديان أهل الأديان ، وجمعها على الدين لأنها ملل ونحل كما قالوا في جمع حرة : حرائر .